جُثة تنتظر الرحيل
جُثة تنتظر الرحيل
هذه الرواية هي مرثية سريالية لروحٍ شُيِّعت في حياة صاحبها،
نصٌّ ينتمي لأدب الصدمة الوجدانية، حيث يمتزج فيه الوهم بالحقيقة ليُعبر عن حالة البرزخ السيكولوجي، التي يعيشها البطل كجثةٍ ترفضها المقابر ويأباها البقاء.
عمق النص يكمن في تحول الطبيعة إلى امتدادٍ لخرابه الداخلي، وفي تلك المفارقة الفاجعة؛ فالغياب هنا ليس موتاً قدرياً للمحبوبته، بل هو خذلانٌ واختيار، طعن الكاتب بخنجرٍ صَنعه هو بنفسه حين أسرف في مَدحِها، ليتحول في النهاية من عاشقٍ مهجور إلى سجينٍ في زنزانةٍ من الذكريات، يكتب قصته بـيدٍ مرتجفة لعلّ الكتابة تكون فصل ختامه،
أو شمسه التي تُذيب صقيع خيبته .
أحببتُ المشيَّ وحدي ليلاً وقتَ المطر
أحببتَهُ جِداً ..
أمشي ويأُخذُني ظَلامُ طريقي لأبعدِ مَغارهْ
وقتَها أستطيعُ ان أُفرِغَ مابداخلي براحةٍ دون قيود
بدلاً من ان أراوِدُ نفسيَّ التي تأبى الإِنكسار
مانِعاً أيّاها لستُ أبكي
بَل السماءَ اشتهت ان تُسكِنَ قَطَراتُ نداها على أجفُني
وكيف لي ان ارد عطاءُ سمائي وانا مخلوقٌ من مائِها
وحتى هذا الكذِبَ على نفسي بات عِبئاً
فكم كابرتُ وأخفيتُ دموعي حتى ضَجُرَت نفسي مني
وتركتْ روحي عائِمةً حول دارِها دونَ ماؤى
فمن يكتبُ هذه الروايه وتحديداً انا
ما إلا بقايا إنسان , أكتبُ قصتي بيدٍ مُرتجِفة
أعبِّرُ عن مدى أشتياق جسدي لروحي
رأيتُها تُشيَّعُ أمامي عاجِزٌ واقِفٌ لا أملِكُ حيله
حاولتُ ان أمدَّ يدي نحوها
ان أمسِكُ بِها ، ان امنعُها من الرحيل
ولكن يداي مرت عبرها وكأنها سراب
وبقيتُ ضَعيفاً أشاهِدها تَخرجُ من جسدي
وفي تِلكَ اللحظة أدركتُ للتو أنني ميتٌ أعاصِرُ الحياة
شتاؤكم هذا العام هو خريفي
فقد ذَبِلتْ روحي وتساقطت اوراقُ أشجاري
وأصبَحَت عاريةٌ لا ظِلَّ لي ولا حياةٌ تَحتها
وأصّفَّرتْ جثتي ، ونَحِلَ جَسدي وماتت آمالي
وكم سئِمتُ شكواً للناس جرُحاً هي مَن سببتهُ
وفي حياتِها لاهيةٌ وعني غافِله
رَمتني بِسهامٍ تلذَذَت بآلامي
ولكل قوسٍ جعلت له بأضلُعي منزِلا
فما ذنبُ القارِئ أن يَسمَعَ كِتاباتُ أحزاني
التي اكررُها كصلاةٍ حزينة
وان يماشيني بطريقٍِ كانت بهِ الشوارِعُ تَعرفُني بِصُحبتِها
كُلَ زقاقٍ حَفِظَ ظِلَها وكُل َزاويةٍ بها شَظايا عِطرُها
وكلَ مقعدٍ عليهِ بقايا أحاديثها المملةُ لكِل أحد إلا انا
كانت ذكرياتها حبالٌ غير مرئية مُلتفتةٌ حول أطرافي
تَجرني اليها
حدثني كيف أقنِعُ نفسي انها رحلَت بلا وداع ؟
وانا …
وعدتُ نفسي أن لا اخونَ وَعدي
وان لا أُدفِئَ كلِماتُ حُزني بِ أوراق دفاتري
وعدتُ نفسي أن أُكسِرَ قَلمي قبل أن يتذكرُها
جفّّتْ أقلامي كصحراءٍ قاِحلةٍ ما من نهرِ يَرويها
و أمسيتُ عالِقاً بينها وبين التي لم تَترُكني ذكرياتُها
سئِمَ دَفتري وأبىَ عقلي بَلاها
تِلك التي نبرتُها كانت تطمنني يوماً
أصبحت الان كطعنةٍ باردةٍ تأتي بلا إنذار
تَغرِسُ أنيابها بِكُل مرة خَطر على بالي صوتُها
كيفَ أفر من خنجرٍ أنا من زرعتهُ بيدي ؟
والموت كم سرِتُ اليه ِكأنني أرقصُ على أوتارٍ يَعزِفُها عزرائيل
ورأيتُهُ يهَربُ ممن يُريدُهُ ،إلا أنا
طَلبتُه بكل جوارحي ولَم يستجِب
رمَاني على موطِئِ رامةٍ كجثةٍ بِلا روحٍ لا يدفِنُها أحد —-
وأعلنتُ الحِداد على روحي فقد ماتت،
وأقنعتُ نفسي وعقلي بأوهامُ السكينةُ الأخيرة
احتضنتُها وعاشرتُها
و بسوء حظي أصبحت عقيمة، لم تُنجِبَ لي الهلاك
أتتني الأحزان كجيشٍ أنتصرَ و لا يرحم،
وبظلمِها أبعدتني عن حياتي وملذاتي والأمم
والهلاكُ واقِفٌ عِند باب بيتي،ينظر إليَّ
بابتسامةٍ مستفزةٌ بارِدة، يستمتع بآلامي وانتظاري
بدأت تِلك القصه تحديداً الواحدةُ صباحاً
انقطعَ تيارُ الكهرباءِ فجاءةً
و شَاركني الظلامُ داري أسودٌ كَكُحلِها الأدعج
وبعد عدِة دقائق …
سمعتُ صوتَ بابَ بيتي يُطرَّقُ بِقوه
ذهبتُ مُسرِعاً وفتحتُ الباب
وهنالِكَ كانت فتاتي … واقِفةٌ تحت ظِلالُ الليل فاتِنه
كانت تَحمِلُ اكياسَ شايٍ وبعضاً من الكعك
دُهِشت !!
وكأنَ رؤيتُها كانت خيالٌ من المستحيل
ادخلتُها مجلسي وطلبتْ مني ان اُضيءَ خطواتِها بهاتفي
ومسكتُ يداها أُسنِدُها ف أرتعشَّ فؤَادي
وجلسنا وأسهبنا ونسِجنا حديثاً طويلاً
أستعدنا بهِ تفاصيلُ أيامنا القديمة
فقالت لي بصوتٍ خافِت ٍ
" هل تُريدُ الرَقص معي ؟ "
و أخذَت هاتفي بِلا اجابةٍ مني و اغلَقت ضوءَهُ
وسحبت يدايَ كإنها تقودُني الى عالمٍ آخر
بدأت ترقُص بطريقةٍ غرَيبة ، والاغربُ من ذلك !
كان تناغماً غريباً بيني وبينها
و انا أكادُ أجزِمْ انني لا أجيدُ الرَقْصَ بتاتاً
كان الظلامُ يَعزِفُ لحناً لا يسمَعَه غِيرنا
و أكملنا حديثنا وتمايُلُنا في الظلام
تارةٌ أشعرُ بدفيئ كلماتِها وتارة يَرتعشُ جَسدي خوفا
كانت تحاوِلُ تبريرِ غيابِها بكلماتٍ مبعثرةٍ بالكادِ أفهمُها
ومجرد ان رَجع التيارُ لم ارى في مجلسي احدا
سِوى سيجارتي وكأسُ الشاي
وكأن كل ماحدث كان مُجرَد وهمٍ ،
او ذكرياتٌ ثائِرةٌ لاحقتني حتى تمكَنتْ مني
هل هذهِ حقيقةٌ ام أني بدأتُ أن أُجَنْ
لا تسألُني ياصاحبي كيف ؟
فأقسِمُ بأغلظ الايمان انني مررتُ بِتلكَ الليلَه
او لا كيف لك ان تُصدق .
انا لستُ بِكمالِ وعيي
كأنني سجينُ احلامي وطريحُ فِراشي
من منا يُعذَب بهذه الطريقه ؟
من منا يُسيطِر عليه أسى الهَوَى ؟
يصبحُ مكبلٌ عاجِزٌ عن الحركه
يهيمُ في بحرِ خيالاتهَ التي قطعاً لن تُصِبحَ واقِعا
أن تكونَ سَجينُ قَلبِكَ بزنزانةٍ حَديدُها فولاذٌ لا ينكسر
أملي نافِذةٌ تَشرقُ الشمسُ منها ، غابت شَمسي وطالَ لَيلُها
وبعد تِلك الليلةُ المُخيفةُ الأمِنه
بدأ عَقلي ينهارُ بِصمت يتلاشى و يَفقِدُ وعَيهُ شيئاً فشيئا يمشي بلا أدراكٍ يتَعثرُ في خطواتِه
يرفُضُ ان يتذكر الوقتَّ والتاريخ
الزمن بات عديم المعنى له
وكأنَهُ توقَفَ على أخرِ لحظةٍ كانت تَربطهُ معها
اجاباتُهُ مُبهمه كأنها ظلالٌ لأسترجاعِ ذكرى ضائِعه
وان سألتهُ عن شيئ
لا يتَذكَرُ سِوى تاريخِها و جمالُ عينِها وهي
وكانها جرحٌ بأعماقِ وجداني لا يلتَئم
لا اعلم !
فتحتُ عيني ذات مَره و غَمرني ظلامٌ ثقيلٌ حالِكُ السواد
كان البردُ يأكُل ماتبقى من جَسدي كضبعٍ جائِع
هذا الظلام …
أعَرِفهُ جيداً فقد كان يُلازِمني طيلةَ السنين التي مَضتْ
ولكن هَذهِ الرجفة ودقاتُ قَلبيَ المتسارِعة لم أعتادُها
كان المكانُ غارِقاً في صمتٍ مُخيفٌ تُقَشعِرُ له الأبدانُ مرِعب
هدوءٌ يتسلل الى روحي ،
لا صوتُ لعقارِب الساعة التي كانت عَزاءُ وِحدتي
ولا صوتُ لِمن جاور داري ، الذينَ رغم عادتهم بأن يفسِدوا لي أجمل نومه كانوا يملؤون لي فراغُ ايامي
حاولت ان اتحرك . . . عبثاً
فقد لـصقَتني الاحزانُ على سريري هَزيلاً اخشى الجميع
ولم أجدُ الا قلقي لُيسَلي وِحدتي
فقد كان ينهَشُ جُثَتي ويمتصُ ماتبقى من قوتي
يَهمِسُ لي ضاحِكاً أني وحدي بلا مَفر
وأخجلُ أن أقول : أنتِ السبب
فكم أسرفتُ في مدحكِ أمامَهم ،
وكأني رافقتُ ملاكًا لا بشرًا ،
والآن باتت روحي لوحَةٌ لأقلامِ الشامتين،
رسَموا بِسؤالِهم : أين؟ وكيف؟ ومتى؟
مَلامِحُ حُزني وأتقَنوا فنَّها
وكأنهم يتسابقونَ على غَرزِ خناجرِهم في أضلُعي ،
وأنا كارِهٌ نفسي كأني في هاويةٌ أشتَعِلُ ناراً
وفي كل مَرة أُحاول أن أجِدٍ إجابة تُنقِذُني
أجِدُ نَفسي غارِقًا في صمتٍ يَملَؤه الخِذلان
يا حبيبتي لِمَ اختفيتِ حتى في منامي ؟
وقطعتِ ما تبقى منكِ وحبلُ الوَصل الوحيد بكِ أحلامي
فحياتي الآن يا حبيبتي خالية
و كم ناجيتُ الاقدار أن تعودي لتملئيها،
وأخبركِ عن يومي وأفخرَ بإنجازاتي
فبعدكِ، لا يسمعُني أحدٌ يا حبيبتي
ومررتُ دارها شوقاً أليها أسألُها
لعلي أجدُ اجابةً تُكفيني كتائِهٍ أضاعَ الطريقَ وفقد كُل شيئ
لعلي ألمحُها ومثل ما عودتني
أن تُلَوِحَ لي من نافِذتَها بأبتسامةٍ تُحرر وطني المُحتل ،
ولكن …
نافذةُ غرفتها كانت مُظلِمةٌ و بارِدةٌ
ك قلبِها الذي لم يشتاقُ الي
لاهيَ هُنا ولا حارِسُ عِمارتِها الذي كان يُطارِدني كل مره
أعداؤنا وأحبابُنا غابوا وكأن العالم بأسرهِ أنطفأ معها
و جثوتُ على رُكبَتي أشكي لله دُرَها قد هَزمَتني
وفي دربَّ الهلاكَِ نَحيبِ أفاقَ المتوفي
وتركتَني وحيداً كـ قفصٍ بلا عصافير
واحتضنَ الرصيف َدمُوعي وأحزاني بدلاً مِنها
وقتَلَت أملاً على بابَ دارِها كَان واقِفاً
صَفعتُ نفسي وحاولتُ الاستفاقة
لم تعدُ هُنا لا الدارُ دارَها ولا الشوارِع شوارِعنا
أني ..
أني ياحبيبتي رسمتُ وجهَكَ بخيالي
ولمستُ شَعركِ حتى طفتْ نارُ فؤداي
صنعتُ منكِ خيالاً يُرافِقني بظلامي
يقرأ معي كلِمات اوارقِ الباهتةُ الممزقة
ويحتويني في لحظاتِ كَسري
فهيَّ صَباحي الذي لاُ يشِرق و مسائيَ الذي لا يأتي
هي فصولي كُلها ماعدا الشِتاء
صَقيعُ الشتاء لا يُدفيهِ سِوا واقِعُ أحتضانُ يداكِ
وبعد قِصَصُ ألحادي
أمنتُ بِمن لم يَخلِقُ سِواكِ
حبيبتي ما أعجَلُكِ عن انتظاري ؟
لِمَ لَمْ تأخُذي حُبي معكِ لِمَ لَمْ تَحفظيه
اطلتُ المسيرَ في حياتي كثيراً
وقابَلتُ من زُيِّنَ جمالها وكإنها رَسمت نُفسُها
ولكن هيهات !… لَمْ يأسِرُ روحي سِواك
اما آن أنْ تأتين ؟
من علَمكِ هذا الجفاء
فقد بَلغَ الوَهنُ جسدي بغيابَكِ وكل مافيني يُنادي بإسمك
يا حبيبتي لِمَ اختفيتِ حتى في منامي ؟
وقطعتِ ما تبقى منكِ وحبلُ الوَصل الوحيد بكِ أحلامي
أما آن الان ان تأتيني ؟
فحياتي الآن يا حبيبتي خالية
و كم ناجيتُ الاقدار أن تعودي لتملئيها،
وأخبركِ عن يومي وأفخرَ بإنجازاتي
فبعدكِ، لا يسمعُني أحدٌ يا حبيبتي
و انا هُنا أُصارِعُ الحياة ، و أنظرُ الى السماءَ لعلِ اراك
وأنتظرُ لجثتي الممات
و اكرهُ انْ اقول أني ضدي
يداي تُكتبُ إليكِ وقلبي ملهوفٌ علَيك
وعينايَّ فارقتا الحياةُ من كَثرَةِ الدموع
فبعضي لديك وبعضي ضدي
وبعضي يُعانِد بعضي تأئِها يأتيك
و بِكُل انكسارٍ مُتَلهِفٌ اكتبُ
عن كيف خدعني جمالُ مُقلَتيك
يا مُنيةُ حياتي
من سنينٍ وانا لا أكتب الا عن الحزن
كتاباتٌ لا تُكتَب بْل تُبكَى
أتقنتُ فن رواياتي بدموعي
ف بِها أجد بُكل سَطرٍ لكِ بها ذكريات
وأحضِن كتابي و أعوِضُ نقص اشتياقي
ف ليلةُ وداعَكِ كانت باِردة
تِلكَ هيَّ روايتي و تِلكَ هيَّ قِصتي
كم تَمنيتُ ان أصوغَ نهايتي بيدي
أن أريحَ يدي وأمنَحُ كِتابي فَصلُ الخِتام
ثقتي لم تَجدي نفعاً ولم أعلم ان نهايتي ستكون
رؤياكِ بفستانٍ أبيض تُداعبينَ رَجُلا سِواي
اتعلمين مدى مرارةُ أن يُسرَقُ مني ماكان لي
والأمرُ من ذلك أنكِ سلَّمتِ له قلبك
كأنكِ هَدمتي كُل ما بنيناه
أتعرفين الآن لماذا تمنيتُ الموت ؟
أما الآن فقد دَقَُّت ساعةُ النوم
أودُ الرحيلَ فجفوني أرهقُها السهر
و ارهقَني التفكيرُ حتى أصبَحَ ظلامُ الليل زِنزانتيْ الكئيبه
لا أستطيعُ الهُروبُ منه ولا أُطيقُ حضورَهُ
ولكنني اخاف من هذا التابوت
ف ظلامَه مُرعِباً كـ حياتي دونِها
وقبل ان أستُسلَم لجفونُ عَيني ولقبري
لديَّ سؤالٌ يَطرِقُ أبواب روحي مراراً
هَل لقلبيَّ الذي أُنهك من الخذلان أن يستعيدَ نبضَهُ ؟
هل سأعيشُ قصة حبٍ أخرى ؟
سؤالٌ معلقاً بِلا إجابةٍ واضِحه
وكأني اسألُ الليلَ ذاته :
( هل لي بشمسٍ تُعيدُ الدفءَ الى ايامي ؟ ام إني سأبقى عالِقاً بهذا البرد والى الابد ؟ )
بقلم : بكر المدفعي